|
|
شعرية الحطام أو الإعلان كتجهيز فيّيّ
سيّاراتٌ محطّمةٌ على تقاطعات الطّرق وفي ساحات الجامعات.
يجب أن ترى عددًا منها أو أن ترى الواحدة مرّتين أو أكثر كي تعرف أنّ الحادث لم يقع هنا والآن وأنّ هذه السيّارات ليست سوى جزءٍ من "أذكى" حملةٍ إعلانيّةٍ في بيروت للعام 2007.
رافقت نشر حطام السّيّارات ملصقاتٌ وزّعتها قوى الأمن الدّاخليّ ورسائل قصيرة على أجهزة الخلويّ حفظت ثلاثًا منها بين أواخر نيسان/إبريل ومنتصف أيّار/مايو، هذه ترجمتها:
1- دقيقة تأخُّرٍ واحدةٌ... تنقذ حياةً كاملة. أنت مسؤول. حوادث السّير ليست مصادفات. قوى الأمن الدّاخليّ.
2- لا تشرب وَتَسُقْ... تمتّع بحياتك. حوادث السّير ليست مصادفات. قوى الأمن الدّاخليّ.
3- حزام الأمان... آمَنُ لك. حوادث السّير ليست مصادفات. قوى الأمن الدّاخليّ.
لا أذكر أوصلني أم لم يصلْ غيرها في هذه الفترة. ولا أشاهد التّلفزيونات المحلّيّة كثيرًا لأعرف كيف كرّرت الحملة عليها... بين حطام السّيّارات والملصقات على طرق العاصمة والدّعاياتالمتكرّرة في وسائل الإعلام والاتّصال، نجحت يازا، بتعاوُنها مع قوى الأمن الدّاخليّ اللّبنانيّ في إعطائي انطباعًا مستغربًا بعض الشّيء. كنت أقول في نفسي: لا بدّ أنّ موظَّفًا جديدًا (أو الوزير نفسه، هل أدري؟) يحاول تحريك الأمور على نحوٍ مبتَكَرٍ مغيِّرًا نظرتي ونظرة السّكان المتشائمة إجمالاً إلى الشُّرطة...
*
يبقى نشر حطام السّيّارات هو العنصر الحسّاس والأهمّ في الحملة الإعلانيّة المذكورة.
إلى جانب تأثيره "الصّدميّ" المباشر، يجتاح الوعي زيوصِل الرّسالة دونما حاجةٍ إلى طول تفسيرٍ أو صِيَغٍ بلاغيّةٍ طنّانةٍ، لا يمكن، عند رؤية طريقة العرض، إلاّ أن تخطر بالبال مسألةٌ قديمةٌ جديدة: العلاقة بين الإعلان والفنّ.
*
يوظّف مصمّمو الإعلانات كلّ الفنون، من العمارة إلى التّصميم الخطّيّ والتّشكيل والموسيقى والتّمثيل والرّقص، إلخ. في خدمة رسالةٍ معيّنةٍ. فهل تبقى هذه الفنون فنونًا وقد طُوِّعت لغايةٍ تجاريّةٍ معيّنة؟
بعض المنظّرين يرى في هذا التّسخير للفنّ نقضًا لأحد مقوّماته الأساسيّة كغائيّةٍ بلا غاية. بل هناك من يدعون إلى الدّفاع عن الثّقافة ككلٍّ في وجه طغيان "اللّغة" الإعلانيّة، كلامًا وحركةً وصورةً، على كلّ صعيدٍ، واجتياحها الحياة اليوميّة كبديلٍ-نقيضٍ للثّقافة لا كوسيلةٍ من وسائل التّعبير عنها. وقد عبّر عن هذا الموقف، على نحوٍ غير مباشرٍ ولكن بشكلٍ قاطعٍ، الفيلسوف الفرنسيّ جاك رانسيير، إذ قال لي في مقابلةٍ أجريتها معه لجريدة المستقبل البيروتيّة منذ عامين، إنّ ميزة الفنّ هي تغييره في أُطُرِ الإدراك الحسّيّ، فإذا لم تشعرني مشاهدة الفيلم السّينمائيّ مثلاً، بعد الدّعاية، بتغييرٍ ملموسٍ في نمط إدراكي لتتابع الصُّوَر وإيقاعها ومدلولاتها، فالفيلم ليس في عداد الأعمال الفنّيّة. هذا يفترض طبعًا أنّ نسبة الإعلان إلى الفنّ غير مطروحةٍ، في رأيه،على الإطلاق.
*
في المقابل، لا يأنف بعض الفنّانين "المتوَّجين" من تعاطي العمل الإعلانيّ أو مساءلة أساليبه في آثارِهِم.
لم يكن آندي وارول هو الوحيدَ، عبر علب كامبل وغيرها، من الفنّانين الّذين جذبهم عالَمُ الإعلان فحاولوا ضمَّهُ إلى عالمهم أو ضمّ عالَمِهم إليه. وهناك الآنَ عاملونَ في حقل الإعلان يمارسونَ "الفنّ الكبيرَ" بخاصّةٍ عبر ما يسمّى بالتّجهيز. ولسوف نعود إلى هذه الكلمة في ما يلي، حين نحلّل بعض الأوجه الّتي قد تسوِّغ النّظر إلى الحملة القائمة على زرع السيّارات المحطّمة في ساحات المدينة كرسالةٍ إعلانيّةٍ تتخطّى غايتها في اتّجاه الفنّ.
*
يمكن أن نرى ذلك، من جهةٍ أولى، في كلِّ موقعٍ على حدة.
مع التّعبير المُبينِ عن فكرة المُعلِن (هذا ما يوصِلُ إليه عدمُ التَّقيُّدِ بقوانين السَّيْرِ وشروط الأمان)، تصلكَ من كلِّ موقعٍ يضمُّ سيّاؤةً محطَّمَةً أحاسيسُ أقربُ إلى الجماليّاتِ أو الشِّعريّات. وَلَعُ الرّومنطيقيِّينَ بتصوير أطلال القلاعِ والقصور الواقعيّةِ أو المُتَخيَّلة لا يفسَّر فقط بالحنينِ إلى ماضٍ مَجيد؛ المجد الحقيقيُّ المُسْتلهَمث في المنظر هو التّعبيرُ عن فعل الزَّمَن.
حيالَ الشُّموخِ المادّيِّ والرّوحيِّ للمباني الحديثةِ والمآذن (الصُّوَر 1، 5، 6) يبدو حطام السّيّارة تعبيرًا عن شموخٍ من نوعٍ آخر: الزّمَن ممثَّلاً بما ينهشه. نقص الأطلال أو الحُطام أقرب إلى لغة الشَّهْوَةِ من "كمالِ" العمارة، أو واقعيّة النّحت (برونزيّة الشّيخ بشارة الخوري، أوّل رئيسٍ لجمهوريّة لبنان المستقلّ، الصّورتان 7، 8).
وقربَ مبنًى نخرتهُ حربٌ طويلة الأجل (الصّورة 4) ترى العين في الصّدمة الّتي حطّمتِ السّيّارة تركيزًا آنيًّا لعدوان الزّمَن. اللَّحظة الّتي تختصر الأزل هي واحدةٌ من القِيَمِ الشِّعريّةِ في كلِّ مكانٍ وزمان. كذلك القيمة المُحَرِّرَةُ لأثَرٍ بالغ التّعقيدِ تُحْدِثُهُ "ضربةُ معلِّمٍ" واحِدَة.
*
من جهةٍ ثانية، عمل "الفنّان" الحقيقيُّ هنا هو في توزيع السّيّاراتِ المحطَّمَة. وهذا يقرِّبُهُ من فنٍّ جديدٍ نسبيًّا يحلُّ في بعضِ الذِهنيّاتِ والأذواقِ محلَّ الرّسمِ والنّحتِ.
التّجهيز هو التّرجمة التّقريبيّة الأشيَع للفظةِ installation. تحديدُهُ يحتاجُ إلى بَحْثٍ طويلٍ لا يخلو من المعاثر. ولكن يمكن اختصارُهُ بأنّ الأثر الفنِّيَّ المطلوبَ منه ليس قائمًا على جمال "الشَّيْءِ الفنّيّ" بل على الحالة الّتي يُوَلِّدُها التّنظيمُ المُعَبَّنُ لأشياءَ قد لا تكونُ ذاتَ طابعٍ فنّيٍّ في المطلقِ. عملُ مجموعة اليازا للسّلامة العامّة ناجحٌ إعلانيًّا لأنّه أوصلَ فكرةً معيّنةً. بعض "المجهِّزينَ"، حين يكتفي بإعطاءِ المُشاهِدِ فكرةً، لا يتعدّى النّهجَ الذّرائعيَّ للّغة الإعلانيّة.
كلُّ ثورة الفنّ الحديث، منذ أوائل القرن الماضي، قائمةٌ على تجاوُزِ تَبَعيّة الرّسم البيانيّ أو التّفسيريّ (illustration). والتّجهيز الفنّيّ الصّحيح لا يعطيك فكرةً بل يعطيكَ أن تُفَكِّرَ. اعتمادُهُ على أشياء من خارجِ "المفرداتِ" الفنّيّة المتعارَفِ عليها يُحْدِثُ ثغرةً في الجدارِ الدّهريِّ الّذي رفعتهُ الجماليّات بين الحياةِ والفنّ.
نقطة عبورٍ لا خروجَ منها.
ألف ياء
|  |
 |
 |


|
|
|
|